عبد الله بن أحمد النسفي

40

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

وردت السور مصدّرة بذلك ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بوجه من الإعراب « 1 » ، وتقدمة من دلائل الإعجاز ، وذلك أنّ النّطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام الأميّون منهم وأهل الكتاب ، بخلاف النّطق بأسامي الحروف فإنّه كان مختصا بمن خطّ وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلّم منهم ، وكان مستبعدا من الأمي التّكلّم بها استبعاد الخطّ والتّلاوة ، فكان حكم النّطق بذلك مع اشتهار أنّه لم يكن ممن اقتبس شيئا من أهله حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن ، التي لم تكن قريش ومن يضاهيهم في شيء من الإحاطة بها ، في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي ، وشاهد لصحة نبوته ، واعلم أن المذكور في الفواتح نصف أسامي حروف المعجم ، وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم ، وهي مشتملة على أنصاف أجناس الحروف ، فمن المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء ، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون ، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف ، ومن الرّخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون ، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء ، ومن المنفتحة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون ، ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء ، ومن المنخفضة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون ، ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء وغير المذكورة من هذه الأجناس مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أنّ معظم الشيء منزلة كلّه ، فكأنّ اللّه تعالى عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما مرّ من التبكيت لهم وإلزام الحجّة إياهم . وإنّما جاءت مفرقة على السّور لأنّ إعادة التنبيه على المتحدّى به مؤلفا منها لا غير أوصل إلى الغرض ، وكذا كلّ تكرير ورد في القرآن ، فالمطلوب منه تمكين المكرّر في النفوس وتقريره ، ولم تجىء على وتيرة واحدة بل اختلفت أعداد حروفها مثل ص وق ون وطه وطس ويس وحم وألم والر وطسم والمص والمر وكهيعص وحم عسق ، فوردت على حرف وحرفين وثلاثة وأربعة وخمسة كعادة افتنانهم في الكلام . وكما أنّ أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فسلك « 2 » في الفواتح هذا المسلك ، وألم آية حيث وقعت وكذا المص آية ، والمر لم

--> ( 1 ) في ( ز ) الاغراب . ( 2 ) في ( ز ) سلك .